<

ماذا يوجد في مكتبات اليهود عن العرب؟ -علي الطنطاوي

حدثني صديق لي من الأدباء قال: “سافرت من عشر سنين إلى القدس أنا وفلان (وسمى رجلاً ممن يشتغل بالسياسة)
فأحببنا أن نرى الجامعة العبرية
فذهبنا إليها على غير وعد سابق، وجعلنا نطيف بأقسامها وكلياتها فنرى أمراً عظيماً وشيئاً هائلاً..
حتى وصلنا إلى المكتبة، فوجدنا فيها قدراً كبيراً من الكتب ما كنت أظن أنه يجتمع مثله إلا في مكتبة لندن أو برلين..
ورأينا الفهارس العجيبة التي يصل بها المطالع إلى الكتاب الذي يريده في لحظة، وسألنا القيم عن المراجع العلمية لموضوعات سياسية واقتصادية واجتماعية فكان يفتح أدراجاً في المكتبة ويعطينا عن كل موضوع أسماء كتب كثيرة في كل اللغات..
حتى تبين لنا أن من يواظب على هذه المكتبة شهراً لا يخفى عليه بعدها خافية من أحوال الدول العربية المحيطة بفلسطين في تجارتها وصناعتها وتاريخها وجغرافيتها وخلائق أهلها وصفاتهم وعاداتهم.
فأرينا القيم إعجابنا ومدحناه، فاستدرجناه فأطلعنا على شيء أعجب:
درج فيه بطاقات (فيشات) مرتَّبة على الحروف فيها تراجم كل من له ذِكرٌ من رجال العرب..
وسألني عن اسمي، فقلت: فلان، فمد يده فأخرج بطاقة فيها سني ومولدي وأصلي ودراستي وكتبي وميولي الأدبية والسياسية على غاية الضبط والصدق والإيجاز، وأخرج بطاقة مثلها باسم رفيقي!!

قلت: قد سمعت مثل هذا الحديث عن الجامعة العبرية من غير هذا الصديق، وتواترت به الأخبار، وسمع به علماء العرب وباحثوهم، وأساتذة جامعاتهم ومديرو مكتباتهم، فهل عملنا مثله أو قريباً منه، لنستعين به على حرب اليهود كما استعانوا به على حربنا؟

هل نعرف نحن اليوم حقائق كاملة مضبوطة عن أحوال اليهود، وعن رجالهم، وعن ميول هؤلاء الرجال وكفاياتهم ومواهبهم؟

هل نعرف أسماء الكتب التي يؤلفها اليهود وأصدقاؤهم بكل لسان ليحاربونا بها، فضلاً عن أن نقرأها أو نرد عليها؟ ومن شاء الاطلاع على هذه الكتب فمِن أين يصل إليها ومَن يدله عليها؟

كيف يكون التكافؤ بين متبارزين أحدهما واقف في النور تُرى حركاته كلها وسكناته، والآخر مستتر في الظلام يَرى ولا يُرى، ويَرمي ولا يُرمى؟

كيف نرضى لأنفسنا أن لا نعرف شيئاً عنهم وهم يعرفون كل شيء عنا؟
وحتّامَ نتسلى بالخطب الحماسية والكلام الفارغ والعدو يستعد؟

ألا يفهم حكام العرب في كل بلد، أن الحرب تكون بالقلم قبل أن تكون بالمدفع، وتكون في الجامعة قبل أن تكون بالميدان؟
فلم لا يفعلون مثلما يفعل اليهود؟
إني -والله- كلما فكرت فيما يفعلون وما نفعل أُمسِك قلبي بيدي خشية أن يصدعه الألم، أو يودي به اليأس.

من كتاب (مقالات في كلمات) علي الطنطاوي